قضايا وآراء

لهذا الحراك والتغيير بالجزائر في صالح الجيش

1300x600

عندما انتفض الشعب الجزائري في 22 شباط (فبراير) 2019 ضد النظام وترشيحه للرئيس المريض المقعد عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، كان رئيس أركان الجيش آنذاك الراحل الفريق أحمد قايد صالح، يهاجم المظاهرات العارمة ويصف المتظاهرين بـ"المغرر بهم" ويجدد دعمه لـ"فخامة الرئيس بوتفليقة"، كما كان يكررها، ويؤكد أن الجيش سيحمي الانتخابات الرئاسية، التي كانت مقررة في نيسان (أبريل) 2019.

كان قايد صالح، الذي عينه بوتفليقة رئيسا لأركان الجيش في 2004، ونائبا له كوزير للدفاع، في 2013، يحضر نفسه لتكرار سيناريو الانتخابات الرئاسية لـ 17 نيسان (أبريل) 2014، الذي لعب صالح دورا أساسيا في إخراجه والتمثيل فيه حينها، خاصة عندما ظهر، تحت صورة الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند إلى جانب رئيس الوزراء آنذاك المسجون حاليا عبد المالك سلال، في ذلك المشهد التمثيلي مع بوتفليقة الذي كان يعالج لثمانين يوما في مستشفى فال دوغراس العسكري، ثم في مصحة ليزانفاليد في باريس التابعة لوزارة قدماء محاربي فرنسا! 

 

الجيش والحراك

لكن بعد أسابيع من استمرار المظاهرات المليونية، ركب قايد صالح موجة الحراك الشعبي ـ الذي كان يصفه في اجتماع سري وبالفرنسية بـ "ما يسمى بالحراك"، كما كشف تسجيل مسرب عنه ـ وأعطى لنفسه دور البطولة، في سيناريو انقلابي دعائي قام فيه بسجن ما أسماها رموز "العصابة"، التي كان في الحقيقة أحد الوجوه البارزة فيها، مثل السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس وعدوه اللدود الجنرال توفيق قائد المخابرات السابق، وخليفته الجنرال طرطاق، وطلب من الرئيس المريض المقعد عبد العزيز بوتفليقة الاستقالة، تحت عنوان كبير هو تحقيق إرادة الشعب المنتفض في التغيير. 

تناسى المتظاهرون، حينها، مواقف قايد صالح، ذراع بوتفليقة الحامي والوفي، وتهجمه على الثورة السلمية، وتوسموا خيرا فيه، وبدلا من شعارات "ديقاج (ارحل) قايد صالح"، دوى شعار "جيش شعب خاوة خاوة (إخوة)".

كانت هناك آمال بأن يدخل قايد صالح ومعه قيادة الجيش التاريخ باستغلال الفرصة التي وفرها الحراك لتحقيق تغيير سلمي وانتقال ديمقراطي سلس، وطي صفحة الماضي، الذي كان عنوانه حكم العسكر الفعلي منذ الاستقلال بفصوله الدامية والمؤلمة، ورعاية الفشل الاقتصادي والفساد والتورط فيه.

غير أن قائد الجيش الراحل سرعان ما قاد انقلابا على مطالب الثورة الشعبية بتغيير حقيقي، ليفرض بالقوة وببروباغندا خطيرة مقسمة للشعب وبمنطق "فرق تسد"، استمرار النظام العسكري نفسه بواجهة حكم مدنية جديدة له عبر انتخابات رئاسية في كانون الأل (ديسمبر) 2019 شهدت مقاطعة شعبية كبيرة، أوصل عبرها للرئاسة عبد المجيد تبون، أحد رموز نظام الحكم، الذي انتفض الجزائريون ضده، والذي كان وزيرا حتى قبل وصول بوتفليقة للحكم، ثم وزيرا فرئيسا للوزراء لدى بوتفليقة، وكان يقسم حتى أن "برنامج فخامة الرئيس بوتفليقة لن يتوقف.. أحب من أحب وكره من كره"، وكان مدعما لترشحه لولاية خامسة. 

هذا الانقلاب والخطابات الاستفزازية المتهجمة على الحراك من قبيل "الشرذمة" و"الخونة"، التي كان يلقيها قايد صالح من الثكنات ـ مُهجياً ومُكسرا اللغة العربية تكسيرا ـ وأحيانا بمعدل 4 خطابات أسبوعيا، إلى جانب تهجمات مجلة "الجيش"، دفعت المتظاهرين للرد بشعارات ضد قايد صالح والجنرالات وثم بعدها المخابرات، وحكم العسكر، والمطالبة بـ"دولة مدنية وليس عسكرية".

قد تكون حدة الخطاب "الشاتم" خفت مع خليفة الراحل قايد صالح في قيادة الجيش، لكن تورط الجيش سياسيا وانكشافه بـ"دون مكياج"، كحاكم فعلي للبلاد، زاد خاصة مع الاستفتاء على تعديل الدستور في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، الذي من أبرز تعديلاته السماح للجيش الجزائري بالقيام بعمليات قتالية في الخارج، مما أثار مخاوف وجدلا عن "صفقات ومقايضات مشبوهة" وتوريط الجنود الجزائريين في حروب بالوكالة لصالح قوى غربية وبشكل خاص فرنسا، وخاصة في مالي ومنطقة الساحل. وكان رد الحراك الشعبي الرافض للاستفتاء ولهذا التعديل هو "الجيش ديالنا (جيشنا) ويبقى قي بلادنا".

وبرغم الرفض والمقاطعة القياسية للاستفتاء، والتي قاربت 80% و90% بإضافة المصوتين بلا ضد التعديل، إلا أنه تم تمرير الاستفتاء، الذي كان قائد الجيش أبرز منشطي حملته، ونُظم في غياب الرئيس تبون، الذي كان نُقل آنذاك للعلاج في ألمانيا من فيروس كورونا، رغم أنه كان يصرح أن "الجزائر لديها أفضل منظومة صحية في إفريقيا والمغرب العربي أحب من أحب وكره من كره"!

ووسط تصعيد قمعي أمني وقضائي ودعائي تهجمي كبير، بفزاعات كاذبة كالإرهاب، ضد الحراك الشعبي في الأسابيع الأخيرة، وحشد أمني غير مسبوق لمنع المسيرات الشعبية السلمية، واعتقالات طالت آلاف الحراكيين، وقمع قضائي سجن أكثر من 200 منهم.. وفي خضم احتقان سياسي واجتماعي واقتصادي زاد مع تداعيات كورونا وانهيار الاحتياطات النقدية للبلاد، تروج القيادة العسكرية عبر رئيس الأركان (أكثر من الرئيس تبون نفسه) وتفرض انتخابات برلمانية مبكرة في 12 حزيران (يونيو) الجاري، تشهد عزوفا شعبيا واضحا، وتثير حملتها الدعائية الرديئة السخرية والضحك حد البكاء، على ما فيها من "كرنفال" وتبديد للأموال، حيث خصصت لها ميزانية تقارب 900 مليار جزائري، ومنحة بـ30 مليون للمترشح دون 40 سنة، فيما تتحدث السلطة عن ضائقة مالية خانقة بعجز قياسي في الموازنة يصل 22 مليار دولار، وترد على مطالب المحتجين من موظفي الدولة من قبيل المعلمين، والأطباء وأعوان الحماية المدنية (الذين تم تعنيفهم من قبل الشرطة) بأن لا أموال للحكومة لتلبية مطالبهم، وأن احتجاجاتهم يحركها متآمرون من الداخل والخارج!

 

لا انتخابات مع العصابات

في المقابل يرفع الحراك مرة أخرى شعار "لا انتخابات مع العصابات" ضد هذه الانتخابات، ويجدد مطلبه بتغيير حقيقي يليق بالجزائر، وبعنوان مفتاحي رئيسي وواضح وصريح هو "دولة مدنية وليس عسكرية"، وهو الشعار والمطلب، الذي يزعج كثيرا، العسكر، الذين يتعاملون مع البلد، كملكية أو شركة خاصة متوارثة، هم "ملاك" فيها بـ"مسؤوليات غير محدودة".

جذر المعضلة ليس جديدا، ويعود إلى استقلال البلاد، بل حتى قبل ذلك أي أثناء الثورة التحريرية بجدلية "أولوية العسكري أوالسياسي"، كما يقول المؤرخ والمناضل محمد حربي، الذي لخص المشكلة بمقولته الشهيرة "كل دول العالم لديها جيوش إلا الجيش الجزائري لديه دولة"! فمنذ استقلال البلاد في 1962، سيطر جيش الحدود بقيادة الراحل هواري بومدين، على الحكم في البلاد وأزاح الحكومة المدنية المؤقتة، ونصب أحمد بن بلة رئيسا، وواجهة، لكن سرعان ما انقلب عليه قائد الجيش ووزير الدفاع آنذاك بومدين في 1965، واستولى على الحكم، رئيسا وقائدا للجيش، و"رسخ حكم الاستبداد وجعل المؤسسة العسكرية فوق الجمهورية، تتصرف في الدولة وكأنها ثكنة كبيرة.. وترهن كل مؤسسات الدولة ودواليبها وتتحكم في ثرواتها وتحرص على ألا تفوت شاردة ولا واردة إلا أخضعتها لرقابتها ووضعتها في قبضتها"، كما يلخص الكاتب الجزائري نصر الدين قاسم، المشهد.

 

تقدم التجربة التركية، كذلك بروابطها التاريخية وتشابهاتها مع الجزائر من حيث سطوة الجيش، نموذجا. فبعد رفع "وصاية" الجيش وانقلاباته وعناوين الفشل الاقتصادي، حققت تركيا في عهد الصندوق الديمقراطي الشفاف، مع وصول أردوغان للحكم في 2003 فقط (أي بعد 4 سنوات من وصول بوتفليقة في الجزائر بالمقارنة)، نقلة نوعية نموذجية

 



حتى وإن توارت سطوة العسكر إلا أنها سرعان ما تبرز في أحداث مفصلية، مثلما حدث في انقلاب 1992، الذي انقلب فيه الجنرالات بقيادة وزير الدفاع، آنذاك خالد نزار، على الرئيس والعسكري السابق الشاذلي بن جديد، الذي اختاره الجيش خليفة للراحل بومدين، على حساب وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة. وخلال السنوات الأخيرة من حكمه استطاع بوتفليقة بخبث، تحييد تأثير الجنرالات، الذين جاؤوا به في 1999، لكن عندما جد الجد ضحى به العسكر، بقيادة قايد صالح، الذي كان عصاه الضاربة ضد هؤلاء الجنرالات، وذلك لاستمرارية حكم العسكر ونظامهم.

ومثلما يلفت وبعمق قاسم فإن " أقوياء المؤسسة العسكرية المتعاقبون على القيادة العسكرية، الذين على ضوء ما يتمتعون به من نفوذ وسطوة وجبروت يعتبرون أنفسهم أوصياء على البلاد بكل مؤسساتها وخيراتها، فيتصرفون بها وفيها بما يضمن بقاء سيطرتهم ونفوذهم وشبكة مصالحهم وشبكة أدعيائهم من المدنيين المنتفعين.. حجم المصالح والسلطان الذي يتمتع به أولئك يجعلهم يستميتون في مقاومة أية محاولة للتغيير، ومستعدون لما لا يتصوره عقل للحيلولة دون ذهابهم ونهاية سلطانهم".

 

المصالح والسلطان

وهذا هو مربط الفرس أو بالأحرى الدبابة هنا "المصالح والسلطان" التي يحرص العسكر على الحفاظ عليها، لكن حتى بهذا المنطق المصلحي و"براغماتيا" فإن الوضع الاقتصادي الخطير، الذي تعيشه الجزائر، والمرشح لمزيد من التدهور يجعل مصالح المؤسسة العسكرية، التي تحصل على أعلى حصة في موازنة الدولة بما يصل 12 مليار دولار سنويا، في خطر مع انهيار أسعار النفط والغاز، التي تعتمد الجزائر بـ 98% على مداخيلها. وقد انهارت الاحتياطات النقدية للبلاد مما يقارب 200 مليار دولار في 2014 مع الارتفاع القياسي لأسعار النفط، التي قاربت 150 دولارا للبرميل، إلى نحو 42 مليار دولار، حي آخر تصريح لرئيس تبون، فيما تضعها وكالة "بولمبيرغ" الأمريكية عند 12 مليار دولار فقط.

وبلغة الأرقام فالأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور الخطير جدا، فمشكلة الجزائر ليست فقط تراجع أسعار الطاقة، والتي ليست مرشحة مع التغيير الطاقوي العالمي والطاقات البديلة، إلى الارتفاع إلى 156 دولارا لبرميل، التي تحتاجها الجزائر بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لتحقيق التوازن المالي.. مشكلة الجزائر أنه حتى إنتاجها من النفط انهار بشكل مخيف إلى 300 ألف برميل للنفط فقط يوميا، بدلا من الحصة المخصصة لها من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" بـ1.1 مليون برميل يوميا، مما يرجح حسب صندوق النقد الدولي، أن تطلب الجزائر انسحابها من المنظمة. قد يقول قائل إن الجزائر معروف أنها بلد غازي أكثر منها نفطي، لكن حتى انتاج البلاد من الغاز يتراجع، فيما يتزايد الطلب الداخلي، مما يجعلها غير قادرة، خلال سنوات، على تلبية حتى الطلب الداخلي، فما بالك بالتصدير، كما أكد وزير الطاقة السابق المطلع عبد المجيد عطار. 

إن لغة الأرقام "المصلحية" الحالية (والمستقبلية أخطر) حتى تقول بأن مداخيل البلاد الحالية التي تقدر بـ 23 مليار دولار فقط، أي ما يعادل عجز الموازنة الحالي، لن تستطيع توفير الميزانية التي تعود عليها الجيش، تفرض على قيادته من منطلق "براغماتي مصلحي" قبل حتى البعد "الأخلاقي الإصلاحي الوطني"، الدفع نحو تغيير حقيقي وجوهري يخدم البلاد والجيش والعباد. كما أن الحرص على إبقاء الأوضاع على حالها سيزيدها تعقيدا فواجهات الحكم المدنية، الفاشلة نفسها، التي نصبها الجيش، فشلت وبددت 1500 مليار دولار خلال 20 سنة من حكم بوتفليقة وما عرفه من بحبوحة مالية وبرميل نفط بسعر 150 دولارا، لن تستطيع تحقيق النجاح بسعر أقل بكثير وإنتاج أقل!

في مقابل مخاطر إصرار القيادة العسكرية على خوض هذه المعركة "الخاسرة" ضد مصالحها أولا قبل البلاد، وضد مجرى التاريخ، يوفر الحراك الشعبي فرصة تاريخية لتغيير توافقي، يلعب فيه قادة الجيش دورا يذكره التاريخ، مثلما لعب العسكر في دول عدة دورا في الانتقال الديمقراطي، والرخاء الاقتصادي، بنماذج كثيرة من التشيلي مثلا بكل فظاعة حكم بينوشي.. إلى البرتغال أو إسبانيا القريبة، حيث كان مستوى معيشة المواطن الإسباني في الـسبعينات غير بعيد عن المواطن الجزائري، لكن الانتقال الديمقراطي بدور حاسم للعسكر من حكم فرانكو الفاشي، نقل إسبانيا نقلة نوعية من كل النواحي، وأصبح الجزائريون يخاطرون للهجرة إليها في قوارب الموت.   

وتقدم التجربة التركية، كذلك بروابطها التاريخية وتشابهاتها مع الجزائر من حيث سطوة الجيش، نموذجا. فبعد رفع "وصاية" الجيش وانقلاباته وعناوين الفشل الاقتصادي، حققت تركيا في عهد الصندوق الديمقراطي الشفاف، مع وصول أردوغان للحكم في 2003 فقط (أي بعد 4 سنوات من وصول بوتفليقة في الجزائر بالمقارنة)، نقلة نوعية نموذجية (اتفقنا أو اختلفنا مع أردوغان وأنا من الناقدين له) خدمت البلاد العباد، وتوسع الاقتصاد بشكل مهذل لتقفز تركيا ضمن الأقوى 20 اقتصادا في العالم. وقد انعكس هذا على تقوي الجيش التركي، الذي أصبح لاعبا عالميا في التصنيع العسكري، وبشكل لافت الطائرات المسيرة. في مقابل الجزائر التي تستورد طائرات مسيرة من الصين، عبر وساطات إماراتية، وتعقد شراكات تركيب (ليس تصنيع حتى) محلية مع ألمانيا، عبر وساطات إماراتية أيضا بكل شبهات ذلك.. الإمارات، التي لم تولد كدولة، عندما كانت للجزائر قاعدة صناعية!

لهذا وبالمختصر المفيد فالحراك والتغيير في صالح الجيش الوطني الشعبي الجزائري، وفي صالح البلاد والعباد.