ملفات وتقارير

لماذا صمدت الشيوعية في الصين وانهارت في روسيا؟

الصين نفذت إصلاحات اقتصادية كبيرة بشكل مبكر ما مكنها من الصمود بل والتفوق- جيتي

يحيي الصينيون هذه الأيام الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الحاكم، في وقت تشهد فيه البلاد صعودا كبيرا على الساحة الدولية، ولا سيما من الناحية الاقتصادية، يقابله قلق في الولايات المتحدة من خسارة "الصدارة".

 

ونشأ الحزب الشيوعي الصيني رسميا في الاول تموز/ يوليو 1921، وسيطر على الحكم عام 1949، معلنا قيام "الجمهورية الشعبية".

 

 

 

وتثير قدرة الحزب الشيوعي في الصين على الصمود، بل والصعود، في عالم انتصرت فيه الرأسمالية الأمريكية، تساؤلات عن أسباب ذلك، وعن الفروق بين النسختين الصينية والروسية/السوفييتية للشيوعية، لا سيما أن الأخيرة سقطت بشكل مدو بعد أن تقاسمت الهيمنة مع الولايات المتحدة لعقود.

 

وعلى مدار سنوات، طرحت العديد من التقارير تلك التساؤلات، واستعرضت العديد من جوانب الاختلاف بين الحالتين الصينية والروسية/السوفييتية، وأهمها اختلاف الوضع الجيوسياسي بينها.

 

وتتمركز الصين تاريخيا في شرق آسيا، وهي محمية طبيعيا ببحار وجبال ومساحات صحراوية شاسعة، فيما تشتبك روسيا المترامية الأطراف مع العديد من القوى في العديد من الأقاليم، ويقع مركزها وثقلها السكاني في أقصى الجنوب الغربي غير بعيد عن عواصم "الأعداء" في الغرب.

 

وشكل ذلك الاشتباك السوفييتي المباشر مع الغرب خلال الحرب الباردة فرصة للصين للبقاء متوارية إلى حد كبير، وللتعلم من الأخطاء وتصحيح المسار بهدوء، وصولا إلى بدئها الانفتاح على الاقتصاد الليبرالي في السبعينيات والتحول إلى مصنع كبير للشركات من حول العالم، ولا سيما من الولايات المتحدة، التي استثمرت ذلك أيضا بخلق فجوة بين بكين وموسكو.

 

بين الجماهيرية الحقيقية ونخبوية "لينين"

 

ولفت تقرير نشره موقع "E-International Relations" إلى أن الفرق الأساسي بين النظامين الصيني والسوفييتي السابق هو قدرة الأول على التكيف مع الظروف وتطوير النظرية الاقتصادية، ولا سيما بعد العقد الأول لاستقرار الشيوعية في بكين.

 

وبحسب التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، فإن الشيوعية الصينية منذ انتشارها في البلاد وتوليها السلطة كانت أكثر اندماجا بالشعب وبثقافته وتاريخه ومعاناته من الفقر والتدخلات الأجنبية، مقارنة بالنسخة السوفييتية، التي أعقبت انتفاضة على نظام قيصري، ولم تلق نفس المستوى من التأييد الجماهيري، فضلا عن توسعها على حساب شعوب أخرى، تراكمت لديها العداوة تجاه موسكو.

 

اقرأ أيضا: معارك صامتة بين روسيا والصين رغم "التحالف الاستراتيجي"

 

ومكّن ذلك "الالتحام" النظام الصيني من قيادة تلك الكتلة السكانية العملاقة بسلاسة أكبر على مدار العقود التالية، واتخاذ إجراءات قاسية، حصدت نتائجها الإيجابية على المدى البعيد، رغم الانتقادات الكبيرة لفاتورتها الإنسانية.

 

وبحسب التقرير، فإن "من الواضح أن الأيديولوجية الشيوعية منتشرة على نطاق واسع بين الصينيين، ولهذا السبب فهي ليست فقط أكثر أشكال الحكم قابلية للتطبيق بالنسبة للبلاد ولكن أيضا الأكثر إنتاجية. وبينما شهدت الصين ثورة هائلة من الأسفل إلى الأعلى، فقد وصل الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي إلى السلطة بدون الجماهير".

 

وكانت الطريقة التي تولى بها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السلطة "أقل عاطفية"، وارتبط تأسيسه، وفق التقرير، بشخص "فلاديمير لينين"، وبقي في إطار نخبوي إلى حد كبير، على عكس النسخة الصينية التي شارك كثير من الرموز و"جماهير الفلاحين" في صياغتها.

 

وترتب على تلك النشأة اعتراف الصين الشيوعية بالأعراق المختلفة، رغم محاولة إدارتها المركزية استخدام البطش للتقليل من أهمية الثقافات الخاصة على حساب توجهات الدولة أو الثقافة الكونفوشيوسية، باعتبارها الأكثر انتشارا.

 

لكن الاتحاد السوفييتي في المقابل حاول إجبار الشعوب على الاندماج في ثقافة موحدة، رغم التعددية الهائلة والتباين الكبير؛ من خلال الترويج لعقلية طبقة "البروليتاريا" والتنكر لأي شكل من أشكال التعددية.

 

تراكم أسباب الضعف/القوة

 

وبالإضافة إلى سوء تقدير السوفييت للهوية الوطنية، وما ترتب على ذلك من ضعف اتصال بين القيادة والجماهير، فإنهم فشلوا كذلك بتعزيز الصلات بين دول الاتحاد المختلفة، بشكل وثيق، وعلى مختلف المستويات، بحسب التقرير.

 

وفي نهاية المطاف، فقد تولى، بحسب التقرير، زعيم غير منتم للشيوعية بقدر انتمائه للغرب، في إشارة إلى "ميخائيل غورباتشوف"، الذي توجه للإصلاح السياسي غير المدروس على حساب البدء بالإصلاح الاقتصادي؛ وهو ما تسبب بالقضاء على الدولة.

 

وأوضح التقرير أن الصين اختارت مبكرا التوجه إلى العولمة، والعمل على بناء اقتصاد قوي، قبل الالتفات إلى أي تحديثات سياسية، غير عابئة بما يقال في الغرب، فيما تأخر السوفييت في ذلك حتى نشأت طبقة سياسية متشككة بالشيوعية وغير منتمية للشعب، وسارعت إلى محاولة الالتحاق بالغرب دون النظر إلى العيوب العميقة في الاقتصاد الوطني.

 

وأضاف: "يبدو أن ميخائيل غورباتشوف لم يحمل ولاء للحزب الشيوعي، ولم تكن لديه عقلية براغماتية من شأنها أن تفيد الاتحاد السوفييتي. وفي النهاية، فإنه بينما تم قبوله في الغرب بسبب إصلاحاته الديمقراطية، لم يتم قبوله بين شعبه في الاتحاد السوفيتي".

وتعتبر العديد من التقارير أن المغامرات العسكرية السوفييتية والأخطاء الكارثية التي وقعت في العقود الأخيرة، عجّلت في انهيار الاتحاد العملاق، وأبرزها حرب أفغانستان التي استنزفت البلاد على مدار عقد كامل (1979- 1989)، وانتهت بهزيمة مدويّة، وكارثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي في أوكرانيا عام 1986.